ملا محمد مهدي النراقي

199

جامع السعادات

الذي هو أفق الشياطين . ولذلك يوصف بعضها - في لسان الفقه - بالكراهة وبعضها بالحضر . وقد سومح في الفقه حيث جعل فيه بعض هذه المكاره مكروهة غير محضورة ، مع أن جميعها عدول عن العدل ، وكفران للنعمة ، ونقصان عن الدرجة المبلغة إلى القرب ، لأن الخطاب به إنما هو إلى العوام الذين تقرب درجتهم من درجة الأنعام ، وقد انغمسوا في ظلمات أعظم من أن تظهر أمثال هذه الظلمات بالإضافة إليها . فإن المعاصي كلها ظلمات ، إلا أن بعضها فوق بعض ، فيتمحق بعضها في جنب البعض . ولذا ترى أن السيد يعاتب عبده إذا استعمل سكينه بغير أذنه ، ولكن لو قتل ، بهذا السكين أعز أولاده لم يبق لاستعمال السكين بغير أذنه حكم ونكاية في نفسه . ولذا جميع هذه المكاره موصوفة عند أرباب القلوب بالحضر ، ولا يتسامحون في شئ مما راعاه الأنبياء والأولياء من الآداب . حتى نقل : ( أن بعضهم جمع أكرارا من الحنطة يتصدق بها ، فسئل عن سببه فقال : لبست المداس مرة فابتدأت بالرجل اليسرى سهوا ، فأريد أن أكفره بالصدقة ) . فصل أقسام النعم واللذات إعلم أن النعمة عبارة عن كل خير ولذة وسعادة ، بل كل مطلوب ومؤثر . وهي تنقسم إلى مؤثر لذاته لا لغيره ، أي تكون غاية مطلوبة لذاتها ليس فوقها غاية أخرى ، وهي مخصوصة بسعادة الآخرة التي لا انقضاء لها ، أعني لذة النظر إلى وجه الله ، وسعادة لقائه ، وسائر لذات الجنة ، من البقاء الذي لا فناء له ، والسرور الذي لا غم فيه ، والعلم الذي لا جهل معه ، الغنى الذي لا فقر بعده وغير ذلك . فإنها لا تطلب ليتوصل بها إلى غاية أخرى مقصودة وراءها ، بل تطلب لذاتها ، وهذه هي النعمة الحقيقية واللذة الواقعية ، ولذلك قال رسول الله ( ص ) : ( لا عيش إلا عيش الآخرة ) ، وغالب هذه النعمة والسعادة وأقواها وأشرفها هي اللذة والبهجة المرضية العقلية دون الجسمانية - كما لا يخفى - ، فيختص بإدراكها العقل ، ولاحظ للسمع والبصر والشم والبطن والفرج فيها . وإلى ما يقصد لغيره ، أي تكون مطلوبة لأجل الغاية المطلوبة لذاتها ووسيلة إليها ، سواء أكانت مقصودة